محمد جمال الدين القاسمي
372
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بهم - في أمر من أمور دينهم أو دنياهم - إلّا ما هو خير لهم ، والعمل بموجبه - من الثقة به ، والتوكّل عليه ، وتفويض الأمر إليه . من غير إصغاء إلى أقاويل اليهود ، وتشكيكاتها التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ ، حيث أنكروا نسخ أحكام التوراة ، وجحدوا نبوّة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، لمجيئهما بما جاء به من عند الله بتغيير ما غيّر الله من حكم التوراة . فأخبرهم الله أنّ له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، وأنّ الخلق أهل مملكته وطاعته . عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأنّ له أمرهم بما يشاء ، ونهيهم عمّا يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء . والذي حمل اليهود على منع النسخ إنما هو الكفر والعناد ، وإلا فقد وجد في شريعتهم النسخ بكثرة . وقد ذكر العلامة الشيخ رحمه اللّه الهنديّ في ( إظهار الحقّ ) أمثلة وافرة مما وقع من ذلك في التوراة والإنجيل . فارجع إليها في الباب الثالث منه . تنبيهان : الأول : قال بعض الفضلاء : نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون أو اليهود : إنّ محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه . وفي الآية ردّ عليهم بأنّ المقصود من نسخ الحكم السابق : تهيّؤ النفوس لأرقى منه . وهو معنى قوله تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها لأنّ الخالق تعالى ربّى الأمّة العربية في ثلاث وعشرين سنة تربية تدريجية لا تتم لغيرها - بواسطة الفواعل الاجتماعية - إلّا في قرون عديدة . لذلك كانت عليها الأحكام على حسب قابليّتها ، ومتى ارتقت قابليتها بدّل الله لها ذلك الحكم بغيره . وهذه سنّة الخالق في الأفراد والأمم على حدّ سواء . فإنّك لو نظرت في الكائنات الحية - من أوّل الخلية النباتية إلى أرقى شكل من أشكال الأشجار ، ومن أوّل رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان - لرأيت أن النسخ ناموس طبيعيّ محسوس في الأمور المادّية . والأدبية معا . . . ! فإنّ انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين ، ثم إلى طفل ، فيافع ، فشاب ، فكهل ، فشيخ ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار - من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها - يريك بأجلى دليل : أنّ التبدّل في الكائنات ناموس طبيعيّ محقق . وإذا كان هذا النسخ ليس بمستنكر في الكائنات ، فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة ، وهي في حالة نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى ؟ هل يرى إنسان له مسكة من عقل أن من الحكمة تكليف العرب - وهم في مبدأ أمرهم - بما يلزم أن يتصفوا به وهم في نهاية الرقيّ الإنسانيّ ، وغاية الكمال البشريّ . . . ؟ ! وإذا كان هذا يصح ، وجب أن الشرائع تكلف الأطفال بما تكلف به الرجال ، وهذا لم يقل به عاقل في الوجود . . . ! وإذا كان هذا لا يقول به عاقل في